السرخسي

9

شرح السير الكبير

يبتلى بهذا إلا من عصمة الله تعالى منه ، على ما روى أنه لما سوى التراب على سعد بن معاذ رضي الله عنه تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " الله أكبر ، الله أكبر ، " فارتج البقيع بالتكبير . فقيل له في ذلك ، فقال : " إنه ضغطه القبر ضغطة اختلفت منها أضلاعه ، ثم فرج الله عنه . ولو نجا أحد من ضغطه القبر لنجا هذا العبد الصالح " . ولكن ( 1 ) في حديث عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : " تلك الضغطة للمؤمن بمنزلة الوالدة الشفيقة يشكو إليها ابنها البار بها الصداع ، فتضع يدها على رأسه تغمزه ، وهي للمنافق بمنزلة البيضة تحت الصخرة " . ومعنى هذا الوعد في حق من مات مرابطا والله أعلم أنه في حياته كان يؤمن المسلمين بعمله فيجازى في قبره بالأمن مما يخاف منه . أو لما اختار في حياته المقام في أرض الخوف والوحشة لاعزاز الدين يجازى بدفع الخوف والوحشية عنه في القبر ، كما روى أن الصائمين ( 2 ) إذا خرجوا من قبورهم يوم القيامة يؤتون بالموائد يأكلون ويشربون والناس جياع عطاش في القيامة ( 3 ) لأنهم اختاروا الجوع والعطش في الدنيا فجازاهم الله بإعطاء الموائد في الآخرة . وقوله : وأجرى عليه عمله ونمى له عمله ( 4 ) فذلك في كتاب الله عز وجل قال الله تعالى : { ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله } ( 5 ) . وقال عليه السلام : " من مات في طريق الحج كتب الله له حجة مبرورة في كل سنة " . فهذا هو المراد أيضا في حق كل من مات مرابطا لأنه ( 6 ) يجعل بمنزلة المرابط إلى فناء الدنيا فيما يجرى له في الثواب .

--> ( 1 ) ه‍ ، ط " الا إن في " . ( 2 ) ه‍ ، ط " كما روى في الحديث أن المرابطين . . " . ( 3 ) ه‍ ، ط " في القيامة في الحساب " وقوله في الحساب لا توجد في سائر النسخ . ( 4 ) قوله " ونمى له عمله " ساقطة في ه‍ ، ط . ( 5 ) سورة النساء ، 4 ، الآية 100 . ( 6 ) ط ، ه‍ " ولأنه " .